الشعر العربي

بلسان الشاعر الإيراني  محمد خاقانی اصفهانی

بقلم الأستاذ منير مزيد شاعر وروائي

رئيس مؤسسة ارت جبيت للثقافة وحوار الحضارات – رئيس القسم الثقافي في المرکز الإعلامي في رومانيا

 

الشعر ُفنُّ العربية الأول، وأكثر فنون القول هيمنة على التاريخ الأدبي عند العرب مقارنة بالخطابة والنثر والسرد ولعل هذا ما عناه ابن عباس في مقولته الشهيرة ” الشعر ديوان العرب”  للدلالة على أهمية الشعرعند العرب وتمجيد ما أبدعه الإنسان من الشعر، خاصة أنه حافظ لتاريخ العرب وأيامها وعلومها المختلفة ويُعدُّ وثيقة يمكن الاعتماد عليها في التعرُّف على أحوال العرب وبيئاتهم وثقافتهم وتاريخهم دون إخراجه من دائرة الفن إلى دائرة أخرى.

هذه المقولة كررها الكثير من النقاد القدماء وأكدوا سلطتها حين قالوا “((كان الشعر في الجاهلية ديوان علمهم، ومنتهى حكمهم، به يأخذون، وإليه يصيرون)) ابن سلام طبقات فحول الشعراء . ((الشعر معدن علم العرب، وسفر حكمتها، وديوان أخبارها، ومستودع أيامها )) ابن قتيبة، عيون الأخبار. ((الشعر ديوان العرب، وخزانة حكمتها، ومستنبط آدابها، ومستودع علومها)) العسكري، كتاب الصناعتين. ((الشعر ديوان العرب، به حفظت الأنساب، وعرفت المآثر، وتعلمت اللغة)) ابن فارس الصاحب.

يتميز الشعر العربي عبرعصوره المتلاحقة بعلاقة الإبداع الشعري بالموسيقى من خلال الايقاع الشعري وبتكونه من مجموعة ابيات, كل بيت منها يتألف من مقطعين يدعى أولهما الصدر وثانيهما العجز وهذا النوع من البناء عرف بالشعر العمودي .

كان الشعر العمودي هو الأساس المعتمد للتفريق بين الشعر والنثر بحيث يخضع في كتابته لقواعد الخليل بن أحمد الفراهيدي وهذه القواعد تدعى علم العروض. ويعرف علم العروض  بأنه علم بمعرفة أوزان الشعر العربي، أو هو

علم أوزان الشعر الموافق أشعار العرب . مما حدا بالبعض فيما بعد لنظم العلوم المختلفة المستجدة في قوالب عمود الشعر، كألفية بن مالك وغيرها، وذلك استغلالا لما تألفه الأذن العربية من الإيقاع المنتظم ، مما يجعل تلك المنظومات أسهل للحفظ  والاسترجاع من الذاكرة ، ولكنها بذلك ، ولذلك بالتحديد، خرجت من دائرة الشعر إلى دائرة النظم ، أي إنها افتقدت الفاعلية الجمالية التي تميز الشعر عبر أدواته المختلفة،  التي لم يكن عمود الشعر إلا مظهراً من مظاهر الشكل الفني غير جوهرية وبهذا فقدت روح الشعر مع أن المعلقات قصائد عمودية نظمت بأوزان الشعر العربي دون ان تفقد روح الشعر وجمالياته الإبداعية بأبعاده الفنية والفلسفية والتي تعد أشهر ما كتبه العرب في الشعر ، وقد قيل أنها سميت معلقات لأنها كانت تعلق في أطراف الكعبة لشهرتها وكتبت بماء الذهب وقيل أيضا أنها معلقات لأنها مثل العقود النفيسة تعلق بالأذهان.

للتفريق بين الشعر والنظم  جاء كتاب ” فن الشعر” لارسطو  والذي يعد من أهم الكتب النقدية والدراسات الأدبية في العالم، ليضع حداً فاصلاً  بين الشعر والنظم ، مبيناً فيه أنه لم يكن في زمنه اصطلاح جامع تنطوي تحته جميع الأنواع التي تتخذ أداة المحاكاة سواء في النثر أو النظم، والاستعمال الحديث لهذا المصطلح هو كلمة ” أدب” ومن الواضح تماماً أن الوزن وحده ليس كافياً لتمييز الشعر إذ ثمة رسائل في الطب وفي الفلسفة الطبيعية كتبت شعراً ( وهذه الطريقة كانت الأكثر شيوعاً عند قدماء الإغريق من الوقت الحاضر كما شاعت عند العرب كما تم ذكره) حتى يسهل حفظها وبالتالي يسهل تذكرها لأن عصر الطباعة والكتب لم يدخلا بعد…

” ليس لدينا اسم تنضوي تحته مجونيات صوفرون واكزينار خوس ومحاورات سقراط أو القصائد الإليجية الخماسية والإليجية الرثائية أو بحور أخرى يؤدي بها فن الملحمة بطريقة المحاكاة، حقاً جرت عادة الناس وفيما يتعلق بالشعر أوفيما يختص بالبحر، على أن يسموا البعض بالشعراء الإليجيين أي  الذين ينظمون قصائدهم على البحر الإليجي ويسمون آخرين بالشعراء السداسيين، أي الذين ينظمون شعراً سداسي التفاعيل، وبذلك تمايز الشعراء في عرف الناس ليس وفقاً لطبيعة المحاكاة في أشعارهم ولكن على قاعدة الوزن وحده، حتى الذين ينظمون رسائلهم في الطب وفي الفلسفة الطبيعية يسمون شعراء، ومع ذلك فليس بين هوميروس وامبذوقليس من شركة إلا في الوزن. والأول جدير باسم الشاعر والثاني جدير بأن يسمى طبيعياً لا شاعراً ” ، وكان هوميروس لدى ارسطو

شاعراً فحلاً لا لإنه اضطلع في فخامة الديباجة الشعرية فحسب بل لإنه جعل محاكياته في شعره ذات طابع درامي”.

فقديماً، لاحظ أرسطو في النثر أنه قد يتوافر له نوع من الإيقاع كالشعر، وكثير من الكلام المنظوم لا يدخل في الشعر إذا خلا من الإيحاء ومن التعبير عن تجربة وإذا لم تتوافر له قوة التصوير ووسائل الإيحاء . والشعر الحق عنده  يتجلى في المأساة والملحمة والملهاة و يقرر بحزم أن الأعاريض الشعرية لا تعتبر الحقيقة المميزة للشاعر، وأن المحاكاة لا الوزن هي التي تفرق بين الشعر والنثر.

بدأت بشائر النهضة الفنية في الشعر العربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي ، فبدأت خافتة وضئيلة الشأن وباعتبارها  أصوات هامشية  ، ثم أخذ عودها يقوى ويشتد حتى اكتملت خلال القرن العشرين متبلورة في اتجاهات شعرية حددت مذاهب الشعر العربي الحديث، ورصدت اتجاهاته ، مستفيدة من التراث العالمي آخذةً ما يوافق القيم والتقاليد العربية الاصيلة رافضة بذلك مفهوم القصيدة كعملية تأليف أو تنظيم  ، لتفتح آفاقاً  جديدة غير مسبوقة في تاريخ الشعر العربي وخاصة في انطلاقة ” قصيدة النثر”  التي أثبتت حضورا متميزا في الساحة الشعرية العربية على الرغم من شدة المعارضة ضد المساس بما عرف بـ “عمود الشعر ” وشكّلت دافعاً قويّاً لاستهداف التغير وتشويهه إلا أن الشعر الحديث  صمد أمام تيارات الرفض وبدأت هذه المعارضة  تضعف  وتتآكل رويداً رويداً أمام رغبة الأغلبية في حتمية التغير والتحديث.

حين أرسل لي  الشاعر الإيراني  محمد خاقانی اصفهانی، أستاذ مشارك في قسم اللغة العربية  – جامعة اصفهان ، ديوانه الشعري لكتابة مقدمة له، أصبت بالدهشة والذهول لكون القصائد كتبت بالعربية من شاعر إيراني وشعرت بأنني أقرأ أشعار البحتري وأبي تمام وابن رشيق القيرواني الأزدي والشريف المرتضى وأبن الفارض والعتاهية والمتنبي وزهير بن أبي سلمى بالإضافة إلى تأثيرات الشعراء الإيرانيين من أمثال حافظ شيرازي والعطار وعمر الخيام ومولانا جلال الدين الرومي والشاعر الباكستاني محمد بن إقبال.

لقد أرسى الشاعر محمد خاقانی اصفهانی أساساً لشعر يتناول معرفة العالم والوجود، ولكنها ليست معرفة علمية دقيقة أنها معرفة بالممكن إذ يفتح آفاقه على المستقبل في إعادة تشكيل الواقع لتهيئة النفس للدخول إلى عالم الخيال الحقيقي، فبنى سقفاً من الرؤى الصوفية مستندة على الموروث الديني باعتباره منهج فكر

وحياة ووسيلة للتصدي للظواهر السلبية وغرس القيم المثالية وتهذيب النفس فالإنسان روح وجسد متكامل . لهذا نجد اسلوب التناص وذلك باستحضار عبارات ـ سواء بنصها أو باعادة صياغة لها ـ من القرآن الكريم ومن أحاديث نبينا العظيم سيدنا محمد عليه افضل الصلاة وازكي التسليم ومن اقوال الأمام علي بن ابي طالب ( كرم الله وجهه) :

وارجع الأبصار شاهد                 هل تری فيه الفطور؟

أو:

صـلّ لإلهــک ثم انحـر         إنـا أعطينـاک الکوثـر

يذكر الجرجاني تعريفا شاملا للإنسان بقوله: “الإنسان هو الحيوان الناطق. والإنسان الكامل هو الجامع لجميع العوالم الإلهية، والكونية الكلية ، والجزئية. وهو كتاب جامع للكتب الإلهية والكونية، فمن حيث روحه وعقله كتاب عقلي مسمى بأم الكتاب، ومن حيث قلبه كتاب اللوح المحفوظ، ومن حيث نفسه كتاب المحو والإثبات، فهو الصحف المكرمة المرفوعة المطهرة، التي لا يمسها ولا يدرك أسرارها إلا المطهرون من الحجب الظلمانية. فنسبة العقل الأول إلى العالم الكبير وحقائقه بعينها نسبة الروح الإنساني إلى البدن وقواه، وإن النفس الكلية قلب العالم الكبير كما أن النفس الناطقة قلب الإنسان، وكذلك يسمى العالم بالإنسان الكبير”

وديوان الشاعر محمد خاقانی اصفهانی ، كتاب جامع لجميع العوالم الفكرية والبلاغية ، الكونية الكلية منها والجزئية ويظهر مدى ارتباط الشاعر الشديد باللغة العربية وما تزخر بها من صور المجاز والاستعارة والتشبيه ، وسائر مسائل البيان والبديع والفصاحة وما تتسم بها أيضا  من مزايا جمالية وبلاغية، لا تتوفر في أي لغة أخرى.

كيف لا.. وهي اللغة  التي كرمها الله باصطفائها  دون اللغات لكي تصبح لغة كتابه المجيد

ولسان خاتم أنبيائه .  (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (فصلت : 3)

 

منير مزيد

بوخارست – رومانيا[1]

[1] . پس از دريافت مقدمة سرشار از لطف شاعر گرانقدر آقای دکتر منير مزيد، قطعه شعر  “يا منير” را به ايشان تقديم نمودم، که در قسمت اخوانيات قابل ملاحظه است.

ارسال دیدگاه

*