الخاقاني  اسم يحمل بين أصوات حروفه نغمة شعرية، يشعر بها من له إلمام واطلاع بالأدب الفارسي شعره ونثره، وقد أهداني الدكتور محمد الخاقاني الأصفهاني القسم الثاني من أشعاره، ويتضمن الشعر العربي في مختارات ديوانه الشعري، وكنت أتمنى أن أتمتع بقراءة أشعاره الفارسية مثلما تمتعت بقراءة أشعاره العربية، وقد يقول لي أنه لم تكن هناك حاجة لذلك لأنه ترجم ما كتب بالفارسية إلى العربية مثلما فعل في قصيدته  راز آئينه أي سر المرآة، أو في قصيدته من نه منم، أنا لست أنا، أو قصيدته  دنياي من أي عالمي الخاص، أو كما ترجم عنون قصيدته الفارسية إلى العربية  ” لي عالمي الخاص ” وغيرها، والحقيقة أن الشعر بلغته الأم يكون أكثر تأثيرا على من يقرأه وينتمي إلى اللغة نفسها، والفارسية ليست لغتي الأم لكن ربما عشقي للشعر الفارسي والأردي على حد سواء يجعلني أتأثر كثيرا بقراءة الأدبين في أصلهما، وكثيرا ما حفظت الأشعار الفارسية والأردية لأن موسيقى الشعر في اللغتين تجعل الأمر سهلا .

أعود إلى الأشعار العربية في ديوان الدكتور خاقاني ، وأشعر ولا أدري إذا كان شعوري صحيحا أم لا أنه كتب بعض قصائده بالعربية أولا ثم  كتبها بعد ذلك بالفارسية لأنني أشعر مثلا أمام قصيدته  سر المرآة أنني أمام قصيدة عربية أصلية لا يمكن أن تكون ترجمة لقصيدة أخرى ولنقرأ هذا المطلع الرائع:

 

زال خوف الكفر حالاً لا أبالي بالخطر

واعتلی التكبير حالاً لا أبالي بالحذر

ثم البيت التالي:

ضاق صدري حيث ماج السر في طياته

حتّم الإفشاء فـورا لا أبالي بالضرر

ومن المعروف أن شعراء الفارسية يكثرون من التلميح دون التصريح  ويستخدمون آي الذكر الحكيم في إثراء معانيهم بأقصر الطرق، وشاعرنا الدكتور الخاقاني الأصفهاني واحد من هؤلاء، ويمكن أن نستمر مع أبيات القصيدة لنجده يستخدم: وانشق القمر، مزدجر، نجزي من شكر، وارجع ( الأبصار)  وهنا يذكرنا  بارجع البصر ويستخدم هل تري فيه ( فطور)  وغيرها ، فالشاعر هنا مملوء بالمعاني التي تنضح هنا وتروي ظمأ القارئ صاحب الخلفية الإسلامية، ويبدو أن النسخة التي حملتها في حاسوبي بها بعض الأخطاء المطبعية وهي نادرة  مثل الألف في  أسرار فهي  أسرارا لأنها اسم إن مؤخر ومثل التاء في مرأت وهي مرأة وتنطق التاء ولا يختل الوزن الشعري.

وقد لجأ الخاقاني إلى الشعر الحر حين ترجم قصيدته الفارسية ( دنياي من )  دنياي أو( لي عالم يخصني) فقد أراد شرح العنوان لا ترجمته جاء فيها:

لي عالم يخصني

قلبي دنّ للحب

لا يعبد إلا خمر الحب

نفسي غابة ملتوية

أتجول في صلاتي

وآكل في صومي

وأسجد على قمم الجبال

أطوف حول فلك الأفلاك

غرست فيها من كل الأشجار

إلا شجر العقل

في هذه القصيدة يطوف الدكتور محمد الخاقاني الأصفهاني الكون يخرج من الأرض ويمضي في السماء ويصل إلى كوكب الزهرة ويحلق إلى عطارد وزحل وأخطر من كل هذا يصل إلى حظيرة اللاهوت، وهو بعد ذلك يمتلك العالم كله، فملحفته قطع من قارات العالم،  وسريره هو السماء الأزرق، وهو يمضي مع كل ظواهر الكون: الريح والمطر والنور والظلمة، تتداخلت فيه الألوان  فالبياض ينشد أنشودة الخضرة في قلب الحمرة ، وعالم الشاعر هو عالم الجميع: غرفتي غرفتك  عالمي عالم الجميع.. شكرا لله على إبداع هذا العالم البديع  شكرا لله فقد جعله عالما للجميع.

هكذا ينهي قصيدته التي حيرتني وأربكتني حقا، فالشاعر يذكرني في سياحته هذه بطواسين الحلاج، وحتى بجاويد نامه لمحمد إقبال والكوميديا الإلهية لدانتي  فقد طاف سريعا بين الكواكب، لكن الخطورة هنا أنه يحاول الوصول إلى الحضرة الإلهية، وإذا ما ارتبكنا من فكرته، ذكرنا هو بأن له عالمه الذي يخصه وهو مختلف عن عالمنا، وقد خاض مثل معظم شعراء الفارسية في مسألة وحدة الوجود أو الفناء في ذات المحبوب  فذكرني بقول سعدي شيرازي:

“قال لي المحبوب لما زرته
قال لي أخطأت تعريف الهوي
ومضى عام فلما جئته
قال لي من أنت؟ قلت انظر فما
قال لي  أحسنت تعريف الهوى
من ببابي؟ قلت بالباب أنا
حينما فرقت فيه بيننا
أطرق الباب عليه موهنا
ثمّ إلا أنت بالباب هنا
وعرفت الحب فادخل ياأنا

هذه المعاني عبر عنها الخاقاني بما هو أشمل منها حين قال:

لي عالم يخصني

قد يشرف فيه الجزء على الكل

ويحيط فيه المظروف بالظرف ( وهو هنا يقصد الوعاء وما فيه فالماء في الوعاء مثلا هو الذي يحيط بالوعاء وليس العكس)

وقد سكن في قلبي حبيب أكبر من الجبال الراسيات ( أي أن قلبه كبير واسع اتسع لما هو أكبر من الجبال الراسيات) وهو هنا يذكرني بقول الشاعر محمد إقبال واصفا الفرق بين المؤمن والكافر:

” إنما الكافر حيران له الآفاق تيه

وأرى المؤمن كونا تاهت الآفاق فيه”

فالمؤمن يحتوى بداخله الكون كله وقلب شاعرنا خاقاني يحتوى ما هو أكبر من الجبال الراسيات.

هذه المعاني الكثيرة المتداخلة المتضاربة المتنافرة المتجاذبة تُتيه القارئ حتما فيخرج سريعا من عالم شاعرنا الخاقاني ، ولا حرج عليه لأن الشاعر قال لنا منذ البداية ألا ندخل هذا العالم لأنه عالمه الذي يخصه هو، لكنه في نهاية القصيدة يدعونا للدخول إلى عالمه الخاص  حين يقول:

غرفتي غرفتك .. عالمي  عالم الجميع

إن القصائد المترجمة عن الفارسية تحمل بلا شك طابع الشعر الفارسي فقصيدته فراشة تذكرنا بقصيدة بنفس العنوان للشاعر محمد إقبال ترجمها الدكتور عزام إلى العربية ووضع لها عنوان يراعة  وهي الفراشة التي تضي بالليل وهذه الآيام تظهر كثيرا على شواطئ الأنهار في آسيا ونشاهدها هذا الأسبوع بكثرة في كيوتو ويخرج الناس للتنزه ليلا لمشاهدة هذه اليراعة أو الفراشة التي تغنى بها الشعراء ، كما أن الفراشة ترمز إلى من يفني نفسه لقاء الحبيب فهي ذاهبة إلى النور وتعرف أنها ستحترق لكن فراشة شاعرنا الخاقاني من نوع آخر: فهي والنور عمق الدائرة،  والزجاج كان مرأةً لها ، لم يعد بينهما من فاصلة.

وهكذا الخاقاني في قصائدة المترجمة الأخرى مثل  قصب السكر  وبين الحبيبة والحبيب  ويقصد بين العاشق والمعشوق .

لكن الخاقاني حين ينظم بالعربية مباشرة فهو شخص آخر غير الشاعر الذي ترجم أشعاره بالفارسية ، وهو متأثر تماما بالشعراء العرب وبالوزن العربي وبالمعاني العربية، ويمكن أن نلاحظ ذلك في قصيدته ذكريات بيروت:

طاف بي ذكرى بليل قد مضی
ولّعتني لوعة قدسيـــة
ذوبتني في ضميري عندما
في صميم الصمت في عمق الدجى
أحرقتني في لهيب من لظى
خلّفت في خاطري لوع المنى

لقد تمتعت كثيرا وأنا أقرأ أشعار الخاقاني لأنه ذكرني  بين لحظة وأخرى بكثير من الشعراء الذين قرأت لهم، وجعلني أتمنى أن أجد فرصة لأعيد قراءتهم من

جديد، فأشعاره تدل على احتفائه بالوجه العربي للاسلام وهو خاقاني ويذكرني بشاعر الفارسية  خاقاني    (1199م) الذي قال

” لا تضع خيط الفلسفة الإغريقية على مذيلة جواد ” الإسلام” الذي ينتمي إلى أصل عربي.”

فشاعرنا يستمد معظم أفكاره من روح الإسلام، ويستفيد من القرآن الكريم  وهو عاشق لما هو عربي، وزيارته للبلاد العربية تترك فيه أثرا تجعله ينطلق يبدع شعرا فيقول عن بيروت ما أختم به هذه السطور:

عندما ضخ الهوى حرّ الشباب
ما بشيخ زاهد من حيلة
في عجوز سابق الشيخ الفتى
عندما تصطاده عين المها

…..

رغم أن غادرتها منذ السنين
لايزال القلب يرنو شائقا
لكن الذكرى بقلبي قد رسا
للألي كانوا تماثيل الهدي

شكرا للدكتور محمد خاقاني أصفهاني الذي أهداني مختارات أشعاره فأسعدني وأفرحني وخفف عني آلام الغربة والوحدة والفراق.

ا د  سمير عبد الحميد نوح

أستاذ اللغات الشرقية وآدابها

بجامعة دوشيشا   – كيوتو اليابان

كيوتو  مساء يوم الحادي عشرمن شهر يونيو 2008م

ارسال دیدگاه

*