أمر بين أمرين

ثنائيات الإنسان والكون بمنطق التأويل والتفسير

تأليف : د. محمد خاقاني

الطبعة الأولى ، 1420 ـ 1999

الناشر : دار الهادي

العنوان :

  عميد كلية الرسول الأكرم (ص) للفلسفة والإلهيات

بيروت ـ لبنان

أستاذ في قسم اللغة العربية بجامعة إصفهان ـ إيران

 

بسم الله الرحمن الرحيم

((يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا))

النساء ـ 59

((إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى))

طه ـ 12

صدق الله العلي العظيم

 

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين. وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين

تقديم :

لن يبلغ الإنسان ذروة الكمال, ولن تكتمل إنسانيته إلا إذا جمع في نفسه طرفي التضاد من جميع الثنائيات الآفاقية والأنفسية.

وإذ لا بدّ لطرفي التضاد أن يكون بينهما غاية التباعد، فعلى الإنسان ـ لكي يصل إلى ذروة الأمن والاطمئنان ـ أن يعيش أشد أنواع القلق والاضطراب! والفرد لا يتذوّق اليسر بكامله إلا حين يمتصّ العسر بكامله. ولا ينفتح على جميع الكون إلا بممارسة التقيد والالتزام.

وهكذا : عليه أن يكون محارباً ليكون مسالماً, ومتحولاً ليكون ثابتاً, وزمنياً ليكون مقدساً, ومتجدداً ليكون أصولياً, وواقعياً ليكون مثالياً, ومنفرداً ليكون اجتماعياً, وعارفاً ليكون فيلسوفاً… ولا بد أن يحتشد فيه كل ثنائيات الكون, لتتوحد شخصيّته, وتزول عنه كل ثنائيات الكون!

غريب سرّ هذا الإنسان ! كيف يمكن أن تتجسد فيه كل أساليب الكثرة, لكي تتبلور فيه كل حقيقة الوحدة؟

لا بدّ لنا من جولة تتسع لجميع الثنائيات والاختلافات، مرة في عالم الإنسان, حيث برز في فكره وثقافته وحضارته جمّ غفير من أنواع الخلاف, وأخرى في عالم الكون الممتلئ بدوره من خلافات لا تعدّ ولا تحصى.

إلا أنى جمعت في هذه الجولة المتواضعة من أنواع التضاد سبعين ثنائياً في قضايا نفسية أو بين مظاهر الكون, أظن أنها مصدر سائر الخلافات.

لست متحمساً في هذه “الجولة” لحل الثنائيات, لأنها تقع على طرفي التضاد, وبالتالي يجب أن يكون بينهما غاية التباعد. ولا أميل إلى تفكيكها ـ كما يحلو للبعض ـ , لأن معارضة كل منها لما يقابله أقوى من أن تفكّك بأي وجه من الوجوه.

ليس الغرض في هذه الأطروحة طيّ صفحة الخلافات, وكتمان التنوعات في المجتمع البشري ومجموعة العالم, بل فهمها ومعالجتها بما تيسر لي من قراءة القرآن, فهماً يركز على “الاستيعاب و”الإحاطة بدل “التفكيك.

غاية ما أتمناه هي ربط الثنائيات، ولكن بترتيب منهجي يعتمد على أسلوب “الإيلاج والإخراج“, أي “التأويل والتفسير“. ففي الجولة الإيلائية أكتفي بعرض كل واحد من الثنائيات عرضاً عابراً وموجزاً (مع الاعتراف بأن كل واحد من هذه الثنائيات يليق بإصدار كتاب عنه), ولا أعتمد في هذا العرض على آرائي وأذواقي, بل على نقل جزء يسير من الآراء المتضاربة بين أهل الفكر والثقافة, لتصوير حجم الخلافات.

ثم أولج كل ثنائية إلى أخرى أوسع وأعمق منها, وأحاول عرض كل منها في البعض الآخر في ترتيب دائري, بغية الوصول إلى الثنائيات الكبرى في عالم الفكر وعالم الكون, ثم إلى الأساس الذي قد يكون مصدر كل الخلافات والتعدديات الفرعية, كما تتدفّق جميع الألوان من ضوء الشمس, وتنحدر كل الأرقام عن الواحد.

الجولة الإيلاجية (التأويلية) تتبعها جولة إخراجية (تفسيرية ـ رجوعية), بقراءة جديدة لكل ثنائية, في ضوء ما عرف من الدوائر التي تحيط بها وتطلّ عليها.

الأسلوب المعتمد في هذه الأطروحة ـ أسلوب الإيلاج والإخراج ـ يختلف عن منهجية “التحليل والتركيب“, لأن هذه الأخيرة تقوم بتفكيك وتجزئة موضوع الدراسة إلى أجزائه الصغرى, لفهم الأجزاء الرئيسية التي تساهم في تكوين الشيء , ثم تركيبها من جديد للوصول إلى ما يراد معرفته:

في كتاب : “المقال في المنهج”, اختصر ديكارت قواعد المنهج إلى أربعة, منها القاعدة الثانية التي تعرف بقاعدة التحليل. ونصها :

“أن أقسم كل مشكلة أفحصها إلى أجزاء صغيرة ما وسعني التقسيم, وحسبما تحتمل. وذلك حتى يمكن حلها على غير وجه”.

والقاعدة الثالثة هي قاعدة التركيب وتنص على :

“أن أرتب أفكاري ترتيباً منظماً, فأبدأ بأبسط الأشياء وأسهلها من حيث الفهم, وهي ما كانت معرفتنا لها أكثر وضوحاً وأصعد تدريجياً, إلى معرفة ما هو أكثر تعقيداً, واضعاً نوعاً من  النظام, حتى بين تلك الموضوعات التي لا يوجد بينها أيّ تتال طبيعي”.

لكن أسلوب هذه الرسالة يعكس الأمر, حيث يجعل موضوع النقاش جزءً من موضوع أوسع, من منطلق أنه : لا يمكن معرفة الجزء إلا من خلال علاقته بالكل الذي يطلّ عليه, ثم الرجوع إليه في ضوء ذلك الكل[1]. إنه : “منطق الاستيعاب“.

في هذه الرؤية, لا ينحصر الإنسان في الإنسان الطيب والآدمي, بل إن مفهوم الإنسان يستوعب لجميع أنواع الإنسان, التي تشمل أيضاً : الإنسان/الذئب, الإنسان/الخنزير أو أي نوع آخر.

منهجياً, تعتمد هذه الأطروحة على “الترتيب الدائري“, الذي يشتمل بدوره على “الترتيب الخطي” و”الترتيب الشجري“.

فالترتيب الخطي, هو ما ينعكس في عدة تصورات فلسفية وعلمية قديمة وحديثة, كبعض التيارات الكلامية الإسلامية التي تفترض ترتيباً للمخلوقات, و هي : الملائكة فالإنسان فالحيوان فالنبات فالجماد.. ” وكل المخلوقات قابلة للتصنيف والترتيب… والفلاسفة المسلمون صنفوا العلوم تصنيفات, ورتبوها تراتيب بحسب غاية كل صنف ومرتبة من فائدة وثمرة وموضوع وصورة … فكلما نزل العلم درجة, نقصت درجة خلقه, وكلما صعد علم تسلق درجة خلقية”.[2]

والترتيب الشجري, أشهر تجلياته هو ” الشجرة الفورفورية, التي هي تخليص وتلخيص لما ورد في منطق المشائين ورئيسهم أرسطو. والشجرة الفورفورية تتكوّن من جنس أعلى يتنوع إلى نوعين أو إلى أنواع متكافئة، ثم قد يصير كل من تلك الأنواع أو بعضها جنساً, يتنوع إلى نوعين متقابلين, ثم يتنوع النوع الذي يصير جنساً حتى الوصول إلى ما لا ينوّع”.[3]

أما “الترتيب الدائري” (الإيلاجي), الذي أعتمده في هذه الرسالة, فبالإضافة إلى استيعابه للترتيب الخطي (كما سترون في كل قائمة من قوائم الثنائيات المعرفية أو الآفاقية أو القرآنية), وللترتيب الشجري (المستعمل في إرجاع مختلف قائمات الثنائيات إلى قائمة الثنائيات الأساسية), يمتاز بعدة خصائص في تفسير نظام الوجود ونظام الفكر وعالم الإنسان، منها :

1 ـ أن الترتيب الدائري ينسجم مع نظام الدوائر التي تملأ الكون, بدأً من دوران ذرات الإلكترون حول النواة المركزية في كل ذرة، مروراً بدوران الكواكب والسيارات في نظام المجرات, وصولاً إلى دائرة الوجود التي تنبثق فيها الكثرات عن الوحدة, وتؤول إليه في نهاية المطاف. فلا شيء متحركاً في العالم, إلاّ أنه يتمحور حول مبدأ ثابت بالقياس اليه, وإن كان متحركاً بالقياس إلى مبدأ آخر.

2 ـ في هذا الترتيب, ما يتجاوز الدائرة الصغيرة إلى دائرة أكبر منها, يعلو وينزل في نفس الوقت, ويتواجد يميناً ويساراً في نفس الوقت, خلافاً للترتيب الخطي أو الشجري, فالصعود فيهما يقابل النزول, والنزول يقابل الصعود.

3 ـ شعاع الدائرة الصغيرة في الترتيب الدائري ينطبق على شعاع الدائرة الكبيرة في جزء منها (حسب سعته). مما يذكّرنا بمبدأ العموم والخصوص مطلقاً بين الدائرتين. وسيتضح أن هذا المبدأ هو الأساس في التعامل مع التعارضات والثنائيات.

على سبيل المثال : في ثنائية “اللعب/الجدّ”, ما يعتبر جدّاً في الدائرة الصغيرة ويناقض اللعب, جدّ حقيقة في هذه الدائرة, وفي نفس الوقت يعتبر لعباً في الدائرة الكبيرة. فيندمج اللعب والجد, ويتحدان بتجاوز الدائرة وتوسيع الإطار. وهكذا بين المطلق والنسبي وسائر الثنائيات.

4 ـ منهجية الترتيب الدائري واستيعابها, تساعد الإنسان في فهم معنى الانغلاق والانفتاح والقبض والبسط, وفي ممارسة الفضاءات الجديدة في الداخل والخارج, إذ لا تنحصر حقيقة الشيء في الفضاء الذي ينظر كل واحد منا إليه, بل يمكن أن يكون للشيء الواحد فضاءات غير محددة, وممكن أن ينظر إليها كل مرة من زاوية مختلفة عن السابق. ولا يخفى ما لهذا الأسلوب من آثار على تكوين الفكرة الشمولية للإنسان, وأيضا على ممارساته العملية تجاه الآخرين.[4]

تنبيه حول “منطق الإيلاج والإخراج” :

الإيلاج والإخراج¸ اللذان استعملهما في هذه الأطروحة, بحد ذاتهما يؤلفان ثنائية خاصة, وهما مقتبسان من آيتين قرآنيتين :

ـ ((يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل)),[5]

ـ ((يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي))[6],

ـ واجتمعتا في آية أخرى : ((يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها))[7].

و”الولوج : الدخول. قوله تعالى : ((يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل)), أي يزيد من هذا في ذلك, ومن ذلك في هذا”[8].

في هذه المقدمة ـ لكي يتبين إجمالاً قصدي من منطق الإيلاج والإخراج ـ أكتفي بالقول: إننا مادمنا نعيش في الطبيعة المتكثرة, فإيلاج الليل والنهار, وإخراج الحياة والموت, يكون باختلاف كل واحد عن الآخر والتنافر الواضح بينهما, فلا يجتمعان, بل يتعاقبان تعاقباً زمنياً في عملية كرّ وفرّ مستمرتين. هذا ما يجري داخل دائرة الثنائية. ولكن, بالخروج من شرنقة هذه الدائرة أو خرقها, نرى أن إيلاج الحياة في الموت يتحقق بضخّ الموت في الحياة, وبالعكس : الآية الشريفة : ((كل من عليها فان))[9], تفسر نفس المرحلة التي تتصف بالحياة الحقيقية : ((وإن الدار الآخرة لهي الحيوان))[10]. والعسر يتحقق في صميم العسر: ((فسنيسره للعسرى))[11], للإشارة إلى أن طريق الشر ظاهره يسير وباطنه عسير. وهلم جراً.

 

ترتيب أبواب الكتاب :

تشتمل الجولة الإيلائية (التأويلية) على أربعة فصول:

الفصل الأول : يشمل الثنائيات الأنفسية (في ضمير الإنسان), التي بدورها تنقسم إلى: الثنائيات الثقافية والمعرفية والشعورية.

الفصل الثاني : يدرس الثنائيات الآفاقية (خارج الإنسان وفي نظام الكون).

الفصل الثالث : يشمل الثنائيات القرآنية التي تتمرآ فيها الثنائيات الآفاقية والأنفسية.

والفصل الرابع : يخص الثنائيات العامة التي تستوعب الثنائيات الآفاقية والأنفسية والقرآنية, وهنا تنتهي الجولة الأولى.

ثم لدينا جولة في “الحق“, قد تكون بحد ذاتها جولة,

وبعدها نبدأ “بالجولة الإخراجية(التفسيرية), نراجع فيها كل ما درسناه في الجولة الأولى, ولكن بعكس الترتيب, أي بالترتيب التنازلي (اللميّ), حيث يخصّ :

الوصل الأول : بالثنائيات العامة,

والوصل الثاني : بالثنائيات القرآنية,

والوصل الثالث : بالثنائية الآفاقية,

والوصل الرابع والأخير : يشمل الثنائيات الأنفسية التي تنقسم بين الثنائيات الشعورية والمعرفية والثقافية.

وللكتاب فذلكة سيجدها القارئ في “الخاتمة“. ويليها :

الملحق الأول, وهو قائمة بالآيات القرآنية التي تتعاطى ثنائيات الإنسان والكون,

والملحق الثاني, وهو قائمة بالثنائيات الرئيسية والتفصيلية التي درسناها في هذه الرسالة.

 

المبادئ الأساسية في تدوين منطق “أمر بين أمرين” :

1 ـ عنوان البحث مأخوذ من رواية الإمام الصادق (ع) حيث قال : “لا جبر ولا تفويض, ولكن أمر بين أمرين[12].

2 ـ قال الإمام الصادق (ع) “إن الله أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثم يعذبهم عليها. والله أعز من أن يريد أمراً فلا يكون. فسئل : هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة؟ فقال : نعم, أوسع مما بين السماء والأرض[13].

وقد استلهمت من العبارة الأخيرة في الحديث الشريف أن منطق : “أمر بين أمرين” يصلح أن يكون تفسيراً لكون كل الثنائيات في السماء والأرض, وفي الإنسان والكون :

“إن عنوان : “أمر بين أمرين” عنوان عريض ومفتاح رئيس, يصلح أن يكون أساساً للتعامل مع كثير من الأزمات الثقافية والإشكاليات الفكرية التي نتعرض لها اليوم, كالالتزام والانفتاح, والقدسي والزمني, والواقعية والمثالية وغيرها .إنها حقاً : ((كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء, تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها))[14],”[15].

ولكن, يجب التذكير بأن “أمراً بين أمرين” يختلف عن “منزلة بين المنزلتين” بالمعنى المعهود في الكلام المعتزلي , لأن أصحاب منزلة بين المنزلتين بالنهاية ((مذبذبين بين ذلك, لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء))[16]. أما أصحاب أمر بين أمرين, فيقولون فيطوون أطراف الثنائيات في رؤية توحيدية شاملة.

3 ـ قال تعالى : ((إني أنا ربك فاخلع نعليك, إنك بالواد المقدس طوى))[17].

الآية المباركة أوحتني بالمفاهيم التالية :

ا ـ إن “النعل” بين ملابس الإنسان يلعب دوراً بارزاً في تشخص الفرد وهويته ومكانته الاجتماعية. فقد يخلع الفرد بعض ملابسه (لشدة الحرّ أو لسبب آخر) عند الدخول في قاعة اجتماعات أو ملتقى حوار, ولا يعقل خلع الحذاء في أي لقاء , إلا في لقاء العبد بربه الذي يستهلك فيه جميع التعينات والتشخصات.

ب ـ مجيء “نعليك” بصيغة “المثنى” يمثّل كل “ثنائية” تؤدي إلى التشخص والتميّز عن الذات الأحدية.

ج ـ في لفظة : “طوى” تصريح واضح بحقيقة “الانطواء” التي ابتنت عليها هذه الرسالة في “طي” كل الثنائيات في حضرة الحق.

4 ـ الآية الشريفة التالية تقسم مصادر التكثر والاختلاف بين “الآفاق” و”الأنفس“, وتعتبر كلها “آيات” الله تعالى,

 ((سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك انه على كل شيء شهيد)). [18]

ولا يخفى أن لفظة “الآية” تعني “الإشارة” إلى مصدرها وأصلها. وحقيقة كلها هي “تبيُّن الحق”, لا تبيين الحق, لأن الحق بيّن بذاته, دون حاجة إلى التبيين من قبل شيء آخر. والدليل عليه قوله تعالى في آخر الآية : ((أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد)).

ثم إن كل الثنائيات الآفاقية والأنفسية تتوحد في حضرة “الحق”, وكونه شاهداً ومشهودا بذاته وشهيداً على كل شيء.

من هنا, تنطلق هذه الرسالة في دراسة الثنائيات من تقسيمها إلى الثنائيات الأنفسية (الشاملة للثنائيات الثقافية والمعرفية والشعورية) والثنائيات الآفاقية, لتجمع كلها في الثنائيات القرآنية بناءً على كون القرآن نسخة مكتوبة عن جميع الحقائق الآفاقية والأنفسية,وتلخص كلها في الثنائيات العامة التي تتوحد في “الحق”.

وفي ذكر اسم “الحق” خاصةً من بين الأسماء الإلهية إشارة إلى خصوصية لفظة “الحق” في الجمع بين “الوجود” و”الكمال” كأحد أكبر ثنائيات الإنسان والكون, نشير إليها في “جولة في الحق“.

5 ـ قال تعالى : ((يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا))[19]. تجدر الإشارة إلى أن :

ا ـ الآية الشريفة تحدد التكليف الإلهي عند وقوع المؤمنين في التنازع. وحيث أن النزاع بين الناس يعم جميع ثنائيات الإنسان والكون, فيجب الرجوع إلى الله ورسوله لحسم النزاع.

ب ـ “ردّ الأشياء المتنازع فيها” إلى الله ورسوله قد يحصل بالرجوع إلى القرآن والسنة النبوية, وبما أن القرآن نفسه يتحمل آراء مختلفة لكونه “حمال أوجه”, والسنة النبوية تتحمل آراء مختلفة, للخلاف الواقع بين أتباع المذاهب المختلفة حول أنواع الحديث وشروط حجية كل واحد منها, لذا يجب البحث عن المعنى الصحيح لموضوع “ردّ المتنازعات” إلى الله ورسوله.

وقد يكون أحد مصاديق “الرد” ذلك الذي استلهمته,وبنيت هذه الرسالة عليه, وهو أن نردّ كل ثنائية (وقع الخلاف بين الناس في طرفيها) إلى ثنائية أكبر منها تكون بمثابة مصدرها, وتلك بدورها تُردّ إلى ما هو أكبر وأوسع منه, إلى أن تصل إلى أكبر ثنائية تتسع لجميع المشتركات والمختلفات, وهي ثنائية الوجود المطلق ومظهره الأتم أي الإنسان الكامل المتبلور في الحقيقة المحمدية(ص), التي ذكرت في الآية : ((فردوه إلى الله ورسوله)). ولا يخفى أن هذه الثنائية أيضا بدورها في ذات “الحق” ـ جل وعلا ـ, و((كل من عليها فان, ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام))[20].

ج ـ القسم الأخير من الآية : ((ذلك خير وأحسن تأويلاً)), كأنه يوحي بمنهجية هذه الرسالة في “تأويل” كل ثنائية إلى ما فوقها بغية الوصول إلى الله يرجع إلى حقيقة التأويل : ((وما يعلم تأويله إلا الله))[21]. والله أعلم.

د ـ صدر الآية تربط بين طاعة الله ورسوله وأولي الأمر, ولا شك أن طاعة أولي الأمر راجعة إلى طاعة الرسول, وهي ترجع إلى طاعة الله. وهذا يؤكد على نهج الرسالة في “الترتيب الدائري” بين المستويات المختلفة في نظام الوجود, التي يحيط كل واحد منها بالآخر.

ه ـ إن طي هذا الطريق يتطلب الإيمان بالمبدأ والمعاد : ((إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)). وهذا يوحي بإرجاع ما صدر من الله (المبدأ) إلى الله (المعاد), فالقسم الأول من الكتاب يتكفل إرجاع الثنائيات إلى الله (المعاد), كما أن القسم الثاني من الكتاب يتضمن إصدار الكثرات عن الله (المبدأ).

و ـ في التأكيد على الإيمان ((باليوم الآخر)) إيماء إلى ضرورة تجاوز الظاهر للوصول إلى الباطن, وتأويل الظاهر إلى الباطن, لأن النسبة بين الدنيا والآخرة نسبة الظهر إلى البطن. قال تعالى : ((يعلمون ظاهراً من الحيوة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون))[22].

6 ـ هناك اهتمام بالأعداد 7 , و70 , و700 في تبيين مراتب التكثر معتقداتنا.

ـ فالعدد الأول يرمز إلى مراتب السماوات والأرضين : ((الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن))[23].

ـ والعدد الثاني يشير إلى حجب الله التي تمنع المرأ من مشاهدة الله : “إن لله سبعين حجاباً من الظلمات والنور”.

ـ والعدد الثالث يعبّر عن التكثر التفصيلي الذي يتحقق في صميم مرتب العدد الأول : ((كمثل حبة أنبتت سبع سنابل, في كل سنبلة مائة حبة))[24].

اعتمدت في هذه الرسالة العدد الثاني ودرسنا 70 ثنائية في رحلتي “الصعود” و”النزول”, مع إشارة عابرة إلى 700 ثنائية فرعية خلال البحث. وقد جمعتها في قائمة الملحق الثاني من الكتاب, كما خصصت الملحق الأول بالتبرّك بلآيات القرآنية الشريفة التي تعير اهتماما بالغا لهذا الموضوع, ولا أفهم لماذا يجذب هذه القضية المهمة انتباه العلماء والمفسرين سابقاً, حيث لا أعرف أحداً خاض هذا الموضوع (حسب علمي). والله هو المستعان.

7 ـ ترتيب التعاطي مع الثنائيات وتبويب الكتاب منطبق مع “الأسفار الأربعة” العرفانية.

فالفصول الأربعة الأولى صيغت في سياق :   “السفر من الخلق إلى الحق“.

وتليها : جولة في الحق. وهي توازي :             “السفر في الحق بالحق“.

والوصل الأول يوازي :                 “السفر من الحق إلى الخلق بالحق“.

والوصل الثاني والثالث والرابع تمثّل :             “السفر في الخلق بالحق“.

وهديتي إلى القارئ الذي يصاحبني في هذا السلوك هي ((إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد))[25].صدق الله العلي العظيم.

أخيراً, أتقدم بالشكر الجزيل من الإخوة الأفاضل في كلية الرسول الأكرم(ص) للفلسفة والإلهيات (بيروت) الذين ساعدوني في جمع الآيات القرآنية المناسبة, وأخصّ بالشكر زوجتي سمية وابني مهدي وابنتي مريم, للجهد الدؤوب الذي قدموه في تحمّل أعباء هذا البحث. أسأل الله جل علا لجميعهم توفيق الهداية. وهو المعين.

محمد خاقاني

  بيروت ـ في ربيع الثاني 1420 ـ تموز 1999

[1] ينبه المفكر الفرنسي إدغار موران على هذا الرأي عندما يأخذ في مؤلفه الشهير ” الوضع الإنساني المركب” (1994) على المعرفة العلمية تقسيمها وفصلها العلوم عن بعضها بداعي التخصص … يعترف موران بضرورة استخدام التجريد (التحليل)، ولكنه يطالب بإعادة بناء الحالة بالارتباط مع السياق. فمارسيل موسى، الانتروبولوجي المعروف, كان يقول: ” يجب إعادة تركيب الكل” وموران يضيف : يجب حشد الكل” . ويشخص علة قصور الفكر في النظام  الفكري الذي يجد مصدره في نظام التعليم، في المدارس الابتدائية والتعليم الجامعي. فبرأيه هو نظام يجزئ الواقع, ويجعل العقول عاجزة عن ربط المعارف المعزولة تحت عنوان الحقول المعرفية أو العلمية المتخصصة. لذلك بات من الضروري في هذا العصر الكوني إصلاح الفكر، حيث من المستحيل عزل المشاكل عن بعضها البعض. (عفيف عثمان ـ الفكر الغربي أمام العولمة ـ السفير 28/1/98).

     يمكن أيضا لمس هذه الفكرة في الموقف التالي الذي يعبر عن مماثلة الثقافة البشرية بالكلاّنية الحاكمة على أعضاء الجسم:

 ” إن مالينوفسكي ورادكليف براون رفضا فكرة تجزئة عناصر الثقافة أو مكونات البناء الاجتماعي أو تطورها عبر الزمان او المكان, كما دعا إلى ذلك التطوريون أو الانتشاريون ,.. الثقافة في رأي مالينوفسكي عبارة عن كيان كلّي وظيفي متكامل يماثل الكائن الحيّ , بحيث أنه لا يمكن فهم دور أو وظيفة أي عضو من أعضائه, إلا في ضوء علاقته بباقي أعضاء الجسم .” . ـ د. حسين فهيم ـ قصة الإنتروبولوجيا ـ 169

[2] د.محمد مفتاح ـ التشابه والاختلاف ـ 11

[3] المنبع السابق ـ 12

[4] لا أقصد بتعدد فضاءات المعرفة أو فضاءات الكائن الترويج لمدرسة “التفكيكية”, وسيتبين الفرق بين المقولتين خلال مسار البحث.

[5] الحج22 / 61 ـ لقمان31 / 29 ـ فاطر35 / 13 ـ الحديد57 / 6

[6] يونس10 / 31 ـ الروم30 / 19

[7] الحديد57 / 4

[8] ابن منظور ـ لسان العرب

[9] الرحمن55 / 26

[10] العنكبوت29 / 64

[11] الليل92 / 10

[12] محمد باقر المجلسي ـ بحار الأنوار ـ 5/4

[13] محمد بن يعقوب الكليني ـ الكافي ـ 2/40

[14] إبراهيم 24-25

[15] محمد خاقاني (المؤلف) ـ الأصالة والتجديد في الواقع والمرتجى ـ السفير ـ 22/1/1999

[16] النساء 143

[17] طه 12

[18] فصلت 41 / 53

[19] النساء 59

[20] الرحمن ـ 26-27

[21] آل عمران ـ 7

[2

ارسال دیدگاه

*